اقرأ، ثم فتر الوحي فترة .. حتىَّ تَبَدَّى له جبريل ورسول الله ﷺ في الأبطح في صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح قد سدَّ عُظْم خلقه الأفق، فاقترب منه وأوحى إليه عن الله عز وجل ما أمره به، فعرف عند ذلك عظمةَ المَلَك الذي جاءه بالرسالة، وجلالةَ قَدْره، وعلو مكانته عند خالقه الذي بعثه إليه.
ثم ذكر حديث شريك عن أنس رضي الله عنه في حديث الإسراء: (ثـم دنا الجبـار رب العزة فتدلى)، وقال: فإن صح فهو محمول على وقت آخر، وقصة أُخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية؛ فإن هذه كانت ورسول الله ﷺ في الأرض لا ليلة الإسراء؛ ولهذا قال بعده: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى (١٤)﴾، فهذه هي ليلة الإسراء، والأولى كانت في الأرض. اهـ
قلت: وقد صَحَّ الحديث كما تقدم والحمد لله.
واعلم أن معظم من طعن في هذه اللفظة من هذا الحديث هم معطلة الصفات؛ لأن فيها إثبات دنو الله تعالى من نبيه ﷺ، وهذا تجسيم عندهم تأباه قلوبهم وعقولهم، ولهذا هم يستبشعونه ويردونه بشدة، ومن ذلك ما قاله الخطابي: ليس في هذا الكتاب - يعني: صحيح البخاري - حديث أشنع ظاهرًا، ولا أشنع مذاقًا من هذا الفصل، فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلَّق من فوق إلى أسفل. ثم اختار أن هذا الحديث رؤيا منام، أو أن أنسًا رضي الله عنه حكاه من تلقاء نفسه لم يعزه إلى النبي ﷺ. «[الفتح» (١٣/ ٤٤٣)]
قلت: بل والله الشناعة والبشاعة في قول من رد الأحايث الصحاح بعقله ولم تطب نفسه لها، وذهب فيها مذهب الجهمية ومن تأثر بهم من الذين يزِنون كلام الله وكلام رسوله ﷺ بعقولهم التي تشبَّعت بالتعطيل والتحريف لكلام الله تعالى ولكلام رسوله ﷺ، وإلا فأين أئمة السلف وعلماء السنة عن هذه الأحاديث التي هي عند المعطلة منكَرة ؟! =