أما هذا فجزم فيما لا يحتمل الرأي، بل في الاعتقادِ والغيب الذي لا اجتهاد فيه.
وأقل أحواله أن حكمه من الجهة الحديثية هو الإرسال الذي يحتج به مُرْسِلُه.
فتدبَّر هذه الأسطرَ جيدًا، ولا تقع فيما يقع فيه بعضهم في زماننا من تجهيلِ وتغفيل السلف، ولسان حالهم هو لسان قول بعض الجهمية: السلفُ أسلم، ونحن أعلم وأحكم، وهم رجال ونحن رجال!
وهذه قاعدة عظيمة قلَّ من يتفطن لها، وقد ذكرها كثير من أهل السنة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فهو كثيرًا ما يستدل بأقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين في كثير من المسائل العلمية والعملية، ومن ذلك قوله في كتابه «بيان تلبيس الجهمية» (٦/ ٤٤٣-٤٤٥) إذ يقول وهو يتكلم عن إرسال عطاء بن أبي رباح رحمه الله لحديث الصُّورة، قال:
ولو قدِّر أن عطاء لم يذكره إلا مُرْسَلًا عن النبي ﷺ فمن المعلوم أن عطاء من أجلِّ التابعين قدرًا، فإنه هو وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري أئمة التابعين في زمانهم، وقد ذكر المصنف لهذا الحديث كابن خزيمة أن الأخبار في مثل هذا الجنس التي توجب العلم هي أعظم من الأخبار التي توجب العمل، ومعلوم أن مثل عطاء لو أفتى في مسألة فقه بموجب خبر أرسله لكان ذلك يقتضي ثبوته عنده، ولهذا يجعل الفقهاء احتجاج المرسل بالخبر الذي أرسله دليلًا على ثبوته عنده.
فإذا كان عطاء قد جزم بهذا الخبر العلي عن النبي ﷺ في مثل هذا الباب العظيم أيستجيز ذلك من غير أن يكون ثابتًا عنده أن يكون قد سمعه من مجهول لا يعرف، أو كذاب، أو سيئ الحفظ؟! اهـ
وأما ما كتبه بعض الجهلة على حاشية كتاب «اجتماع الجيوش» من أن أثر الشعبي من الإسرائيليات.
فهذا من جنس تغفيل السلف: - عمر، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، والشعبي رحمه الله، وغيرهم من رواة حديث الأطيط -واتهامهم بسوء الاعتقاد حتى في الله تعالى، وأنهم لا يفهمون الفرق بين ما يجوز وما لا يجوز من حكاية أخبار من قبلنا! =