فأولها: المكابرة في اللغة؛ تقول العرب: استوى فلان على الفرس أي استقرَّ عليه، قال الله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَٰٓأَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ وَيَسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ اَلْمَآءُ وَقُضِيَ اَلْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَىٰ الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّٰلِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] أي: استقرت عليه. أفيجوز أن يقال: استولت السفينة على الجبل؟!
وإذا كان الرجل في شيء ثم تركه وعمد إلى غيره يقال: استوى إلى كذا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰٓ إِلَى السَّمَآءِ﴾ [البقرة: ٢٩].
ويقال: استوى الميزان والحساب إذا اعتـدلا، واسـتوى الراكـع وغيره إذا اعتدل بعد الانحناء.
فهذه وما شاكلها مواضع الاستواء لا نعرف في شيء من شواذ اللغات، ولا مشهورها أحداً عدَّ الاستواء استيلاء؛ إذ الاستيلاء: هو الغلبة والقهر والتملك.
فهل كان العرش ممتنعاً عليه خارجًا من يديه حتى استولى عليه؟
والثانية: أن الاستيلاء إن كان اسمًا واقعًا على الغلبة والقهر، فلا يجوز أن يكون في الله حادثًا؛ لأنه جلَّ وتعالى قاهر غالب في الأول، والاستواء يجوز أن يحدثه بعد خلق العرش، فقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾ بيَّن أن الاستواء بعد خلق السموات والأرض.
والثالثة: مكابرة العقول ومقابلة الأمة عالمهم وجاهلهم بالخلاف فيما ليس فيه لبس ولا إشكال. اهـ