(التوحيد، والواحد) في اصطلاحهم: ما لا صفة له، ولا يُعلم منه شيء دون شيء، ولا يُرى، والتوحيد الذي جاء به الرسول لم يتضمن شيئًا من هذا النفي، وإنما تضمن إثبات الإلهية لله وحده؛ بأن يشهد أن لا إله إلا هو، ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يُوالي إلا له، ولا يُعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات .. وليس المراد بالتوحيد مُجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك مَن يظنه من أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، ويظن هؤلاء أنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد.
وكثير من أهل الكلام يقول: التوحيد له ثلاث معانٍ، وهو: واحد في ذاته لا قَسيمَ له، أو لا جُزء له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وهذا المعنى الذي تتناوله هذه العبارة فيها ما يوافق ما جاء به الرسول ﷺ، وفيها ما يُخالف ما جاء به الرسول ﷺ، وليس الحق الذي فيها هو الغاية التي جاء بها الرسول، بل التوحيد الذي أمَر به أمرٌ يتضمن الحق الذي في هذا الكلام، وزيادة أخرى، فهذا من الكلام الذي لُبِّس فيه الحق بالباطل، وكتَم الحقَّ.
وذلك أن الرجل لو أقرَّ بما يستحقه الرب تعالى من الصفات، ونزَّهه عن كل ما يُنزَّه عنه، وأقرَّ بأنه وحده خالق كل شيء، لم يكن مُوحِّدًا، بل ولا مؤمنًا حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقرَّ بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له.
والإله هو بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، ليس هو الإله بمعنى:
(القادر على الخلق)، فإذا فسَّر المفسِّر الإله بمعنى: القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا أخصُّ وصف الإله، وجعل إثبات هذا التوحيد هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من مُتكلِّمة الصِّفاتية، وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن =